الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
306
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عنها المستفهمون وهو مجاز مرسل بعلاقة الملازمة ، و لَهُمْ خبر عن ( ما ) الاستفهامية . والتقدير : ما ثبت لهم ، و مُعْرِضِينَ حال من ضمير لَهُمْ ، أي يستفهم عنهم في هذه الحالة العجيبة . وتركيب : ما لك ونحوه ، لا يخلو من حال تلحق بضميره مفردة أو جملة نحو ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ في سورة يوسف [ 11 ] . وقوله تعالى : فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ في سورة الانشقاق [ 20 ] . وقوله : ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ في سورة الصافات [ 154 ] وسورة القلم [ 36 ] . و عَنِ التَّذْكِرَةِ متعلق ب مُعْرِضِينَ . وشبهت حالة إعراضهم المتخيّلة بحالة فرار حمر نافرة مما ينفرها . والحمر : جمع حمار ، وهو الحمار الوحشي ، وهو شديد النفار إذا أحس بصوت القانص وهذا من تشبيه المعقول بالمحسوس . وقد كثر وصف النفرة وسرعة السير والهرب بالوحش من حمر أو بقر وحش إذا أحسسن بما يرهبنه كما قال لبيد في تشبيه راحلته في سرعة سيرها بوحشية لحقها الصياد : فتوجّست رزّ الأنيس فراعها * عن ظهر غيب والأنيس سقامها وقد كثر ذلك في شعر العرب في الجاهلية والإسلام كما في معلقة طرفة ، ومعلقة لبيد ، ومعلقة الحارث ، وفي أراجيز الحجّاج ورؤية ابنه وفي شعر ذي الرمة . والسين والتاء في مُسْتَنْفِرَةٌ للمبالغة في الوصف مثل : استكمل واستجاب واستعجب واستسخر واستخرج واستنبط ، أي نافرة نفارا قويا فهي تعدو بأقصى سرعة العدو . وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر مُسْتَنْفِرَةٌ بفتح الفاء ، أي استنفرها مستنفر ، أي أنفرها ، فهو من استنفره المتعدي بمعنى أنفره . وبناء الفعل للنائب يفيد الإجمال ثم التفصيل بقوله : فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ . وقرأها الجمهور بكسر الفاء ، أي استنفرت هي مثل : استجاب ، فيكون جملة فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ بيانا لسبب نفورها . وفي « تفسير الفخر » عن أبي علي الفارسي قال محمد بن سلام : سألت أبا سوار الغنوي وكان أعرابيا فصيحا فقلت : كأنهم حمر ما ذا فقال : مستنفرة : بفتح الفاء فقلت له :